ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

خطاب الحضارتين: نفير ضد العيش المشترك

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
السبت 7 شباط 2026
الخط


ما قاله سمير جعجع ليس زلّة لسان عابرة، ولا توصيفاً إنشائياً يمكن تمييعه تحت عنوان «حرية التعبير» أو «التوصيف السوسيولوجي». حين يقول إن في لبنان منطقتين لا يفصل بينهما سوى شارع، ولكن تفصل بينهما حضارتان وثقافتان، فهو لا يصف واقعاً بقدر ما يؤسّس له، ولا يقرأ المجتمع كما هو بقدر ما يعيد صياغته أيديولوجياً على نحو يُنذر بخطر وجودي على الكيان اللبناني نفسه.

هذا الكلام، في عمقه السياسي والدستوري، انقلاب صريح على اتفاق الطائف، الذي لم يكن مجرّد تسوية ظرفية لإنهاء حرب أهلية، بل عقداً وطنياً جديداً أعاد تعريف لبنان بوصفه وطناً واحداً بهوية واحدة وانتماء واحد، يقوم على العيش المشترك لا على التمايز الحضاري، وعلى المواطنة لا على التقابل الثقافي.

الطائف لم يلغِ التعدّد، لكنه نزعه من كونه أداة صراع ورفعه إلى مستوى الغنى داخل وحدة سياسية ودستورية جامعة. أما استدعاء ثنائية «حضارتين وثقافتين» داخل شارع واحد، فليس توصيفاً بريئاً، بل هو إعادة إنتاج كاملة للمنطق الذي فجّر الحرب الأهلية: منطق الجماعات المتقابلة، لا منطق المجتمع الواحد؛ منطق «نحن» و«هم»، لا منطق «نحن جميعاً». الأخطر من ذلك أن هذا المنطق يُقدَّم اليوم من موقع الزعامة، ومن فم من يقدّم نفسه ممثلاً سياسياً لقطاع واسع من اللبنانيين، لا كمثقف يقدّم أطروحة نظرية قابلة للنقاش.

في البنية العميقة لهذا الخطاب، تعود دعوى «التعدّدية الحضارية» لا بوصفها توصيفاً أنثروبولوجياً، بل كأيديولوجيا سياسية تُستخدم لتبرير التقسيم، أو في أحسن الأحوال الفدرالية والكونفدرالية، أي نزع السيادة عن الدولة الواحدة وتحويلها إلى كيان شكلي يضم كيانات متجاورة لا متداخلة. التجربة اللبنانية أثبتت، وبدماء لا تُحصى، أن هذا النوع من الطروحات ليس مدخلاً لتنظيم الاختلاف، بل مدخل لإدارته بالعنف، لأن تحويل الاختلاف الثقافي إلى أساس للكيان السياسي يعني تحويل السياسة نفسها إلى صراع وجودي، لا إلى تنافس ديمقراطي.

إن أخطر ما في هذا الكلام أنه يُسقط، دفعة واحدة، فكرة العيش المشترك بوصفها خياراً تاريخياً، ويعيد تقديمها كحل قسري مؤقت. كأن الموافقة على الطائف لم تكن قناعة وطنية، بل «هدنة اضطرارية» بانتظار لحظة الانقلاب. هنا لا نكون أمام اختلاف في تفسير الدستور، بل أمام نية سياسية مضمرة لإعادة فتح الصراع على هوية لبنان، لا عبر نقاش هادئ، بل عبر خطاب تعبوي يقوم على التخويف المتبادل وإعادة شدّ العصب الطائفي.

من هذه الزاوية، لا يمكن فصل هذا التصريح عن السياق الانتخابي المقبل. فالتصعيد في الخطاب، واستحضار ثنائيات وجودية حادّة، ليسا جديدين في الحياة السياسية اللبنانية، لكنهما يأخذان هنا بعداً أكثر خطورة، لأن الهدف الظاهر ليس فقط حشد القاعدة، بل السعي إلى تقديم الذات بوصفها «الممثل المسيحي الأوحد»، أي اختزال التنوّع المسيحي السياسي والثقافي في شخص أو حزب.

وعند هذه النقطة بالذات، يصبح التخيير الذي يلوّح به الخطاب واضحاً: إما القبول بزعامة مطلقة تُعيد إنتاج صلاحيات ما قبل الطائف، أي عملياً دستور 1943، وإما الذهاب نحو منطق الكيان الخاص، الجمهورية الخاصة، أو الفدرالية المقنّعة.

أخطر ما في هذا الكلام أنه يُسقط، دفعة واحدة، فكرة العيش المشترك بوصفها خياراً تاريخياً، ويقدمها كحل قسري مؤقت، وكأن الموافقة على الطائف لم تكن قناعة وطنية، بل «هدنة اضطرارية» بانتظار لحظة الانقلاب


هذا النوع من الابتزاز السياسي لا يهدد خصوم جعجع وحدهم، بل يهدد لبنان ككل، لأن أي محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الطائف تعني تلقائياً فتح الباب أمام مطالب مقابلة من الطوائف الأخرى، كلٌ وفق هواجسه وسرديته، وعندها لا يبقى من الدولة سوى الاسم. الدولة لا تُجزّأ دستورياً من الأعلى فقط، بل تُفكَّك اجتماعياً من الأسفل، حين يُقنع كل طرف جمهوره بأن «الآخر» ينتمي إلى حضارة مختلفة، أي إلى منظومة قيم لا يمكن التعايش معها.

من غير العقلاني، بل من غير المسؤول، التهوين من شأن هذا التصريح بحجة أنه صدر في لحظة انفعال أو فقدان سيطرة على الذات. على العكس تماماً، لحظات فقدان السيطرة غالباً ما تكشف ما يُخفى في الخطاب المنضبط. هي لحظات الحقيقة السياسية، حيث يخرج المكبوت الأيديولوجي إلى العلن. والخطير هنا ليس فقط ما قيل، بل ما يوحي به: هشاشة التركيبة الوطنية حين يعترف أحد أركانها، صراحة أو ضمناً، بأنه لا يؤمن بها إلا كمرحلة انتقالية.

الدستور اللبناني واضح في هذا الشأن. مقدمته تنص على أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، وأن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. الحديث عن حضارتين متقابلتين داخل وطن واحد ليس فقط مخالفة سياسية، بل خروج دستوري صريح، لأنه ينقض فكرة «النهائية» ويعيد فتح سؤال الكيان. ومن يفتح هذا السؤال، عليه أن يتحمّل مسؤولية ما يترتّب عليه من فوضى، لأن الكيانات لا تُناقش في غرف مغلقة، بل تُعاد صياغتها في الشارع، وغالباً بالعنف.

من هنا، لا يجوز التعامل مع هذا الخطاب كخلاف سياسي عادي، بل كإنذار مبكر لخطر داهم. الخطر لا يكمن فقط في نوايا فرد أو حزب، بل في تطبيع فكرة الانقسام الحضاري، وتحويلها إلى رأي قابل للتداول. حين يصبح هذا الكلام عادياً، يصبح الدفاع عن لبنان الواحد هو الموقف «المتطرّف»، ويصبح التمسك بالطائف وكأنه تمسك بالماضي، لا بحاضر البلاد ومستقبلها.

المطلوب اليوم ليس ردود فعل انفعالية، ولا سجالات إعلامية عابرة، بل استعداد وطني شامل، سياسياً وفكرياً وشعبياً، لمواجهة هذا المسار. الدفاع عن لبنان لا يكون بالشعارات الفضفاضة، بل بإعادة تثبيت بديهيات الطائف: وحدة الهوية، وحدة الانتماء، واعتبار التعدد مصدر غنى لا ذريعة تقسيم. المطلوب أيضاً فضح المنطق الذي يقدّم الفدرالية أو التقسيم كحلول تقنية لمشكلات سياسية، بينما هي في الحقيقة هروب من الدولة، لا إصلاح لها.

إن دقّ ناقوس الخطر اليوم ليس ترفاً خطابياً، بل واجب وطني. لبنان لا يحتمل مغامرات وجودية جديدة، ولا يحتمل زعامات تلوّح بالكيان كلما ضاقت بها صناديق الاقتراع. إعلان النفير العام هنا لا يعني التعبئة العسكرية، بل التعبئة السياسية والأخلاقية والفكرية دفاعاً عن فكرة لبنان نفسها: لبنان كوطن نهائي، لا كهدنة بين حضارتين متقابلتين، ولا كخريطة قابلة لإعادة الرسم كلما تغيّر ميزان القوى.
في لحظة الانهيار الشامل التي يعيشها البلد، يصبح اللعب على الحواف الوجودية جريمة مضاعفة. ومن يريد الحفاظ على لبنان، فعلاً لا قولاً، عليه أن يسمّي الأشياء بأسمائها، وأن يقول بوضوح: هذا الخطاب خطر، وهذا المسار مدمّر، والتاريخ علّمنا أن النار التي تبدأ بالكلام لا تنتهي إلا بالخراب.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك